Flag Counter

خاص بالقضاة

المسَاواة بين الخصُوم أمام القضَاء في الشريَعة الإسْلاميّة
 
د. فتحي اسماعيل والي
 
أستاذ قانون المرافعات
 
ونائبرئيس جامعة القاهرة
 
 
أنزلت الشريعة الإسلامية القضاء منزلاً رفيعاً، فهوعمل الأنبياء وصناعة الحكماء. ويقول الله تعالى مخاطباً نبيه داود: (يَا دَاوُدُإِنَّا جَعلنَاكَ خَليفةً فِي الأَرضِ فَاحْكُم بَينَ النَّاسِ بِالحَقِّ وَلاَتَتَّبعِ الهَوَى فَيُضلكَ عَن سَبِيلِ اللهِ) (سورة ص/ 26). وقال جلَّت قدرته: (وَكُلاًّ أَتَيْنَا حُكماً وَعِلماً) (سورة الأنبياء/ 79). كما يقول: (وَأَنِاحْكُم بَيْنهُم بِمَا أَنَزلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) (سورة المائدة/ 49). كما يقول تعالى: (وَإِذَا حَكَمتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحكُمُوا بِالعَدْلِ) (سورة النساء/ 58).
 
وكلمة الحكم في كل الآيات تعني القضاء. وهي مأخوذة منالحكمة أي وضع الشيء في موضعه. وقد تولى رسول الله صلى الله عليه وسلم القضاء بينالمسلمين. وأرسل الإمام عليّاً كرَّم وجهه قاضياً باليمن، وكان عليه السلام إذاأسلم قوم أرسل إليهم من يتولى الولاية والقضاء أو من يعلِّم القوم الدين الجديدويتولى القضاء. كما تولى القضاء كل الخلفاء الراشدين وحرصوا على تعيين القضاة منكبار الأئمة. وقد كثرت الأحاديث النبوية الشريفة التي تحض القاضي على العدلوتحذِّره من الظلم. من هذه الأحاديث:
 
ـ ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى اللهعليه وسلم قال: "إذا جلس القاضي للحكم بعث الله إليه ملكين يسدِّدانه. فإنْ عدَلَأقاما وإنْ جارَ عَرَجَا وتركاه".
 
ـ وما رواه يسر بن سعيد عن أبي قيس عن عمرو بنالعاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا حكم الحاكم فأجتَهَدَ فأصاب فلهأَجْران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر (ورواه أبو سلمة عن أبي هريرة).
 
ـ ومارواه أبو هاشم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
 
"القضاةثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة: قاضٍ عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاضٍقضى بجهل فهو في النار، وقاضٍ عرف الحق فجار فهو في النار".
 
حين يقسم ومع القاضيحين يقضي"1.
 
 
ومن أهم المبادئ التي يقوم عليها القضاء فيالشريعة الإسلامية مبدأ المساواة بين الخصوم.
 
ولهذا المبدأ تطبيقات عديدةأهمها:
 
 
أولاً: المساواة بين الخصمينبصرف النظر عن اختلاف مكانة كل منهما
 
 
وهذه المساواة أصل هام من أصولالعقيدة الإسلامية. فالإنسان هو خليفة الله في الأرض.
 
وقد ساوى الله بين خلفائه. يقول الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) (سورة الحجرات/ 13). وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "كلكم بنو آدم. آدم خُلق من تراب لينتهينقوم يفتخرون بآبائهم". ويقول عليه السلام: "أنا أخو كل تقيّ ولو كان عبداً حبشيّاً،وبريء من كل شقيّ ولو كان شريفاً قرشيّاً"|.
 
وتروي السنَّة الفعلية للنبي عليهالسلام كثيراً من الوقائع التي تؤكد بالفعل حرص النبي على أن يساوي بين المسلمين،بل بينه وبين غيره من المسلمين، من هذه ما حدث عندما كان النبي وعلي بن أبي طالبورجل يسمى مرتد بن أبي مرشد، وكان معهم بعير واحد فأرادا أن يركب الرسول ويمشياففرض عليه السلام قائلاً: "لستما بأقوى على المشي مني، ولست بأغنى عن الأجرمنكما".
 
وقد حفل التاريخ الإسلامي بما يؤكد تطبيق هذا المبدأ الخصمين فيمجلس القضاء. فقد روي أن رجلاً اشتكى عليّاً يوماً إلى عمر بن الخطاب عندما كانخليفة المسلمين فنادى عمر الإمام عليّاً بعبارة: "يا أبا الحسن"، ونادى الخصمباسمه. فغضب علي، فقال له عمر:
 
لماذا غضبت، هل لأنني ساويتك مع الخصم؟ فقال له: لاولكن لأنك كنيتني ولم تكنه.
 
وروي أن عليّاً بن أبي طالب وجد درعه عند رجلنصراني فأقبل به على شريح ـ قاضيه ـ يخاصمه مخاصمة رجل من عامة رعاياه. وقال: إنهادرعي ولم أبع ولم أهب. فسأل شريح النصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ قالالنصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب. فالتفت شريح إلى علييسأله: يا أمير المؤمنين هل من بيِّنة؟
 
فضحك علي وقال: أصاب شريح. ما لي بيِّنة. فقضى بالدرع للنصراني.
 
ولم يقبل القاضي شريح شاهدَيْ علي لأن أحدهما كان ابنهوالآخر مولاه.
 
ويؤكد الإمام أبو الحسن علي بن محمد الماوردي هذا المبدأ بقوله: إنعلى القاضي "التسوية في الحكم بين القوي والضعيف، والعدل في القضاء بين المشروفوالشريف". وقد ربط الماوردي بين هذا المبدأ ووقار القاضي، فقرر أن وقار القاضي يوجبعليه "أن يكون دخول جميع المتنازعين إليه من شريف ومشروف مطرقاً"2.
 
 
 
ثانياً ـ عدم تقديم قضية في دورها على قضيةأخرى
 
 
لم يكن القضاء في صدر الإسلام يعرف ما يسمى الآن بجدول القضاياالذي ترتب فيه القضايا بالجلسة، حسب دورها في هذا الجدول. بل كان القاضي يجلس فيمجلس القضاء، وَيَرِدُ إليه الخصوم ليفصل في خصوماتهم. وقد حرص الفقه الإسلامي علىتأكيد مبدأ هام في عدم التمييز بين الخصوم، فأوجب على القاضي أن ينظر القضايا حسبأولوية حضور أطرافها.
 
يذكر الإمام الكاساني (بدائع الصنائع، جزء سابع، ص13) أنه من أدب القضاء "أن يقوم الخصوم على مراتبهم في الحضور، الأول فالأول، لقولهعليه الصلاة والسلام: المباح لمن سَبَقَ إليه. وإن اشتبه عليه حالهم استعمل القرعةفقدَّم من خرجت قرعته".
 
 
وإمعاناً في العدل، ورحمة بالناس، أُعطي الغريبأولوية في نظر قضيته حتى لا يتعطل عن السفر إلى بلده. ذلك أن الغرباء إذا خاصموابعض أهل المصر إلى القاضي أو خاصم بعضهم بعضاً أو خاصمهم بعض أهل المصر فإنه يقدمهمفي الخصومة على أهل المصر، لما روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال: قدِّمالغريب، فإنك إذا لم ترفع به رأساً ذهب وضاع حقُّه فتكون أنت الذي ضيَّعته. ذلك أنهلا يمكنه الانتظار فكان تأخيره في الخصومة تضييعاً لحقِّه.
 
ثالثاً ـ المساواة بين الخصمين في مجلسهما أمام القاضي
 
 
من مظاهر المساواة بين الخصمين والتي حرص الفقه الإسلامي علىتأكيدها وجوب أن يتساوى الخصمان أمامه. فلا يقرِّب أحدهما ويُبْعِد الآخر، ولا يسمحلأحدهما بالجلوس ويترك الآخر واقفاً. ولا يُجْلِس أحدهما على وسادة ويجلس الآخر علىالأرض.
 
 
وقد روي عن عمر بن الخطاب وعن ابن أبي كعب رضي الله عنهما أنهمااختصما في حادثة إلى زيد بن ثابت، فألقى لعمر بن الخطاب وسادة: فقال عمر رضي اللهعنه: "هذا أول جورك"، وجلس بين يديه ولم يجلس على الوسادة.
 
 
ويرسم الإمامعلاء الدين أبو بكر الكاساني هذا المبدأ في كتابه "بدائع الصنائع في ترتيبالشرائع"، 1910، جزء سابع، ص 9، باعتباره من آداب القضاء كالتالي: "ومنها أن يسوِّيبين الخصمين في الجلوس فيُجلسهما بين يديه، لا عن يمينه ولا عن يساره لأنه لو فعلذلك فقد قرَّب أحدهما في مجلسه. وكذلك لا يُجْلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يسارهلأن لليمين فضلاً عن اليسار". ويؤكد الإمام الماوردي في كتابه سالف الذكر(ص248-250) هذا المبدأ فهو يتطلب من القاضي "أن يساوي بين الخصمين فيمقعدهما".
 
 
ويقول ابن القيم: "في تخصيص أحد الخصمين بمجلس.. مضرَّتان: إحداهما طمعه في أن يكون الحكم له فيتوى قلبه وجنانه. والثانية أن الخصم الآخر ييأسمن عدله ويضعف قلبه وتنكسر حجته". وقد وضح هذا المبدأ في كتاب عمر بن الخطاب إلىأبي موسى الأشعري بما يعرف برسالة القضاء إذ جاء بها: "آسِ بين الناس في مجلسك... حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك".
 
 
رابعاً ـ المساواة بين الخصمين في المعاملةبالجلسة
 
 
من أهم مظاهر المساواة بين الخصمين، أن تكون معاملة القاضيلكل منهما في الجلسة على قدم المساواة. فلا يبشّ في وجه أحدهما ويعبس في وجه الآخر،ولا ينظر لأحدهما نظرة احترام وينظر للآخر نظرة ازدراء، ولا يحيِّي أحدهما عنددخوله ويشيح بوجهه عند دخول الآخر عليه.
 
 
وقد رسم الإمام الكاساني هذا المبدأفي كتابه "بدائع الصنائع" جزء سابع، ص9) كالتالي:
 
من آداب القضاء "أن يسوِّي بينالخصمين في النظر والنطق والخلوة. فلا ينطلق بوجهه إلى أحدهما، ولا يسارّ أحدهما،ولا يومئ إلى أحدهما بشيء دون خصمه، ولا يرفع صوته على أحدهما، ولا يسأل أحدهما عنحاله ولا عن خبره شيء من أُموره".
 
 
ويؤكد ابن القيم هذا المبدأ قائلاً: "إذاعدل الحاكم (القاضي) في هذا بين الخصمين فهو عنوان عدله في الحكومة فمتى خص أحدالخصمين بالدخول عليه أو القيام له أو بصدر المجلس والإقبال عليه والبشاشة له وينظرإليه كان عنوان حيفه وظلمه".
 
 
وفي أدب القاضي للماوردي (ص249-250) أن علىالقاضي أن "يساوي بين الخصمين في النظر إليه وكلامه لهما ولا يخص أحدهما بترتيب ولانظر ولا كلام". وربط الإمام الماوردي بين هذا المبدأ وبين الوقار الواجب للقاضي فيمجلسه فقرِّر أن وقار القاضي يوجب عليه أَلاَّ أحداً بكلام أو سلام.
 
خامساً ـ لايقضي القاضي دون سماع الطرفين
فليس للقاضي في الإسلام أن يقضي بناء على سماع أحدالطرفين دون الطرف الآخر.
 
ويجب أن يكون سماعه لأحد الطرفين في حضور الطرف الآخر،وهو ما يقتضي أن يكون كل من الخصمين فاهماً للغة التي يتكلم بها الطرفالآخر.
 
 
وفي هذا يقول الرسول الكريم لعلي بن أبي طالب عندما بعثه قاضياً علىاليمن: "فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تَقْصِ حتى تسمع كلام الآخر كما سمعت كلامالأول، فإنه أحرى أن يتبيَّنَ لك القضاء".
 
ويقول الإمام الكاساني في بدائعالصنائع (جزء سابع، ص9) إن على القاضي "أَلاَّ يُكَلِّمَ أحدهما بلسان لا يعرفهالآخر ولا يخلو بأحد في منزله ولا يضيف أحدهما فيعدل بين الخصمين في كل هذا لما فيترك العدل فيه من كسر قلب الآخر".
 
وتأكيداً لعدم جواز الكلام مع أحد الطرفينبلغة لا يفهمها الآخر، أوجب الفقه الإسلامي على القاضي "أن يكون لهترجمان"3.
 
ولكي يمكن لكل من الطرفين أن يبدي دفاعه على قدم المساواة مع الطرفالآخر، أوجب الفقه على القاضي أن يوفر لكل منهما الفرصة المتساوية، فلا يسمح لأيطرف بمقاطعة الآخر أو المساس به. وفي هذا يقول الإمام الكاساني: "إذا تكلّم أحدالخصمين أَسْكَتَ القاضي الآخر لِيَفْهَمَ كلامَه".
 
ويقول الإمام الشافعي: إنه"إذا بانَ للقاضي من أحد الخصمين لَدَدَ نهاه فإنْ عاد زجره".
 
ويقول الإمامالماوردي: إنه "إنْ كان في لَدَدِهِ شَتْم وفحش، وكان سفيهاً، ضربه". ويضيف أنه"إنْ كان لَدَدُه تمانُعاً عن الحق وخروجاً عن الواجب، حبسه"4.
 
 
خامساً ـ حياد القاضي بين الخصمين
 
 
ليس للقاضيفي الإسلام أن يُعِين أحد الخصمين في دفاعه أو أن يقدم له حججاً تساعده ضد الطرفالآخر. ويحدد الإمام الكاساني واجب القاضي في هذا الشأن بقوله: إن من آداب القضاء"أن لا يلِّقن أحد الخصمين حجته لأن فيه مكسرة قلب الآخر ولأن فيه إعانة أحدالخصمين فيوجب التهمة" أي أن القاضي بهذا المسلك يُتهم بعدم الحياد بين الخصمين.
 
 
 
سادساً ـ عدم صلاحية القاضي الذي له علاقة مودة بأحدالخصمين
 
 
وتوصلاً لحياد القاضي بين الخصمين والمساواة بينهما، عُنيالفقه الإسلامي بإبعاد القاضي عن أية شبهة يمكن أن تؤثر في حياده. وقد وضع الفقهالإسلامي قواعد محددة في هذا الشأن، نأخذ مثالاً لها مسألة عدم جواز قبول القاضيلهدية من أي من الخصوم. فالقاعدة في هذا الشأن أنه لا يجوز للقاضي أن يقبل الهديةمن أحد الخصمين إذا كان يلحقه به تهمة (أي شبهة).
 
وتفصيل هذا المبدأكالتالي: إذا كان المهدي يهدي للقاضي قبل تقلده القضاء، وكان له خصومة حالية فلاتُقبل منه هدية. أما إنْ كان لا خصومة حالَّة له، فإنْ كان يهدي القاضي مثل ما كانيهديه قبل توليه القضاء أو أقلّ فتُقبل منه الهدية لأنه لا تهمة فيه. وإِنْ كانتالهدية أكثر مما كان يهدي للقاضي قبل توليه القضاء فإن الزيادَة تُرَدّ للمهدي،فإنْ قبلها القاضي أُرسلت لبيت المال.
 
 
أما إذا كان المهدي لا يهدي للقاضيقبل توليه القضاء فإنْ كان قريباً له يُنظر إنْ كان له خصومة في الحال فلا تقبل منهالهدية. وإنْ كان لا خصومة له في الحال فتُقبل الهدية، وإنْ كان المهدي أجنبيَّافلا تُقبل منه الهدية سواء كان للمهدي خصومة في الحال أو لا، لأنه إنْ كان له خصومةفي الحال كان بمعنى الرشوة وإنْ لم يكن له خصومة في المستقبل. فإنْ قبل القاضيالهدية كانت لبيت المال5.
 
 
خاتمة
هذه هي أهم المظاهر التي يبدو فيها حرص الفقهالإسلامي مبدأ المساواة بين الخصوم أمام القضاء. وهي مظاهر تضمن حياد القاضي وعدله،ولكن القاضي يقضي وفقاً لما يسمع أو يقدَّم إليه بالجلسة، وقد يحيد عن العدلمتأثراً ببلاغة خصم أو ذلاقة لسان. ولهذا خاطب الإسلام ـ في النهاية ـ ضمائرالخصوم.
 
 
وأعلن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لكل المسلمين معبراً عنموقف القاضي حق تعبيره: "إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم أنيكون ألحن بحجَّته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بشيء من حق أخيهفلا يأخذ منه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من نار".
 
 
--------------------------------------
عن(حقوق الإنسان) مجلد 3 / إعداد د.محمود شريف بسيوني
1 وردت هذه الأحاديث في كتاب أدب القاضي،للإمام أبي الحسن البغدادي الماوردي، الجزء الأول، بغداد، 1971، ص 127).
 
2 المرجع السابق، ص 248.
 
3 الكاساني، بدائع الصنائع، ص 12.
 
4 آداب القاضيللماوردي، ص 252-253.
 
5 الكاساني، بدائع الصنائع، ص 9-10.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

Copyright © 2011-2015 . All Rights Reserved.